محمود توفيق محمد سعد
180
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
تسليما كثيرا توفي ولم يبين أمرها ، فلم يتحرّر له أنّها مستقلة عنها ، ولذلك لم يكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم وكانت هذه التي من الآخر مقطوعا بأنها مستقلة مع ما ورد من كونها مع التي قبلها سورة واحدة في مصحف " أبيّ " رضي اللّه عنه ، وقراءة " عمر " رضي اللّه عنه لهما على وجه يشعر بذلك ، كما مضى إشارة إلى أنّ الآخر كون أوضح من الأول ومن أغرب ذلك أنّ السورتين اللتين قبل سورتي المناظرة بين أمريهما طباق ، فالأولى في الآخر وهي " الفيل " أكرم اللّه عزّ وجلّ فيها قريشا بإهلاك أهل " الإنجيل " ، والأولى في الأول ، وهي " الأنفال " أكرمهم اللّه جلّ جلاله فيها بنصر أهل القرآن عليهم بإهلاك جبابرتهم ، فكان ذلك سببا لكسر شوكتهم ، وسقوط نخوتهم المفضي إلى سعادتهم وعلم أنّ البراءة وغيرها إنما عمل لإكرامهم ؛ لأنهم المقصودون بالذات وبالقصد الأوّل بالإرسال والنّاس لهم تبع ، كما أنّ جميع الرسل تبع للرسول الفاتح الخاتم . . . » « 1 » كذلك يسعى البقاعي إلى تأويل تنسيق السور القرآنية تنسيقا يجعل من النظم البياني للقرآن الكريم في علائقه ببعضه كعلاقة أجزاء الدائرة المفرغة ببعضها لا يدرى أين طرفاها . وهو يستمر في تبيان تعالق كل سورة من السور التسع في آخر القرآن الكريم ترتيلا بما قابلها من التسع في أوله تلاوة . ومما هو جليّ لا يدفع ، ولا يظهر فيه شائبة تكلّف تأويل ما تراه من العلاقة الوثيقة بين سورة " المسد " الرابعة من آخر تلاوته وسورة " النساء " الرابعة من أول تلاوته يقول في ختام تأويله سورة " المسد " : " وحاصل هذه السورة أنّ أبا لهب قطع رحمه ، وجار عن قصد السبيل ، واجتهد بعد ضلاله في إضلال غيره ، وظلم الناصح له الرؤوف به الذي لم يأل جهدا في نصحه على ما تراه من أنّه لم يأل هو جهدا في أذاه ، واعتمد على ماله وأكسابه ، فهلك وأهلك امرأته معه ، ومن تبعه من أولاده . ومن أعظم مقاصد سورة " النساء " المناظرة لها في ردّ المقطع على المطلع التواصل والتقارب والإحسان لا سيّما لذوي الأرحام والعدل في جميع القوال والأفعال ، فكان شرح حال الناصح الذي لا ينطق عن الهوى ، وحال الضالّ الذي إنما ينطق عن الهوى قوله تعالى :
--> ( 1 ) - نظم الدرر : 22 م 268 - 269